محمد غازي عرابي
890
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
لطيفة ، ذلك أن المعقول باطن العقل ، والحاجز بينهما حجاب لطيف قال فيه صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إن للّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه البصر من خلقه ) ، فالأمر ، على الحقيقة ، أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد ، فأين يذهب الإنسان ، والأمر من باطنه إلى ظاهره ، والأمر وحي وإلهام ، وهو فرخ في البيضة ليس له أن يكون إلا كما شاء له رب البيضة . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 12 إلى 14 ] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ ( 12 ) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ ( 13 ) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ ( 14 ) [ ص : 12 ، 14 ] الأوتاد إشارة إلى عالم الحس ذي الطول والعرض والعمق ، ففرعون اسم للنفس الحسية التي تطلب البدن ، ولا فكاك لها منه ، ولا اعتماد لها إلا عليه ، وكل من كان أسيرها فهو أسير عالم العيان ، محجوب عن اللّه ما عاش إلا أن يأذن اللّه برفع الحجاب . [ سورة ص ( 38 ) : آية 15 ] وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ ( 15 ) [ ص : 15 ] الفواق الرجوع ، والإشارة إلى من يرجع من الظاهر إلى الباطن لينكشف له من ثم الحجاب ، فيعرف نفسه وحقيقة نفسه ، ويرى نفسه أمام نفس الواحد القهار . [ سورة ص ( 38 ) : آية 16 ] وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ ( 16 ) [ ص : 16 ] القط ، أي كتاب الأعمال ، هو على الحقيقة معجل سواء سأل الكافرون تعجيله أم لا ، فهذا الكتاب هو القرآن ، وقد فرق للفعل ، فالعمل إخراج ما هو بالقوة إلى ما هو بالفعل ، والحساب دائم ، وكل ما في الوجود يجري بحساب ، لا تأخير لأمر اللّه ، ولا رفع الحساب عن الناس لحظة ، ولو رفع لدمر الوجود تدميرا . [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 17 إلى 25 ] اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 17 ) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ ( 18 ) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ( 19 ) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ ( 20 ) وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ ( 21 ) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ ( 22 ) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ ( 23 ) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ ( 24 ) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ ( 25 ) [ ص : 17 ، 25 ]